
أدهم.. هل تسمعني؟!
محمد البحيري
كانت الارض تتمايل تحت قدماي وانا استمع الى الطبيب يبلغني – بكل برود – ان ابني “ادهم” مصاب بضعف شديد جدا في السمع، في كلتا اذنيه، وانه لن يكون قادرا على سماع أي شيء ما لم تتوفر له اجهزة تعويضية عبارة عن سماعتين. لكنني تمكنت من استعادة توازني عندما تذكرت ابنتي ياسمين التي ولدت قبل أدهم. فقد توفيت ياسمين بعد 30 يوما من مولدها قضتها جميعا في حضانة بإحدى المستشفيات في الهرم، دون ان تتمكن أمها من رؤيتها بسبب سوء حالتيهما الصحية. توفيت ياسمين في مستشفى ابو الريش الياباني بوسط القاهرة، بعد ساعات من نقلها من مستشفى الهرم بمدينة الجيزة، وقبل ساعات من اجرائها عملية جراحية في الحنجرة، وبعد ان كبدتني كل ما كنت ادخره من مال، بل وتركتني مديونا، بعد ان كنت على وشك تحقيق حلم اسرتي الصغيرة بشراء سيارة جديدة.
مر ذلك امام عيني سرا وانا استمع الى الطبيب “البارد” بمستشفى الحسين الجامعي في القاهرة. وحمدت الله ان بوسع ادهم ان يعيش على الاقل، واني اراه يبتسم احيانا ويلعب احيانا.. ويبكي ايضا.
كانت فكرتي عن اجهزة السماعات الطبية انها كالنظارات الطبية وان بها العديد من الانواع التي تختلف في جودتها واسعارها. ولكنني في كل الاحوال كنت اعتقد ان ثمن السماعة الواحدة يبدأ من 50 جنيها، فوضعت ميزانية مبدئية خلال لحظات بأن اشتري لابني سماعتين من طراز جيد، فلا يقل سعر الواحدة عن ثلاثمائة جنيه. لكن نفس الطبيب الذي كان يكتب لي في “الروشيتة” عنوان شركة بعينها لبيع السماعات الطبية، طالبا مني التوجه اليها، دون تأخير، لان الوقت ليس في صالحنا. عندها سألته عن سعر السماعة المناسبة التي يقترحها لابني، فإذا به يقول – في برود بات معتادا: “2000 جنيه تقريبا!”. اعتقدت انه اخطأ في الرقم، فسألته مجددا للتأكد: “بكام بتقول حضرتك؟”. فاعاد الرقم بنفس اللهجة مندهشا من اندهاشي على ام يبدو: “2000 جنيه تقريبا!”. فقلت له: “السماعتين بألفين جنيه؟!”.. فأجاب: يا استاذ السماعة الواحدة بالفين جنيه، يعني السماعتين بـ4000 جنيه”!. وهنا كانت الصدمة الثانية! لكنني كنت مصرا على التماسك وعدم الانهيار، فرحت اطلب العون من الطبيب حتى يخفف عني ما اعانيه قائلا: “شقيقي يعمل في قطر وشقيقتي تعيش في السعودية، فهل بوسعك ان تكتب لي اسم السماعة ومواصفاتها حتى اجعل ايا منهما يشتريها لي من هناك، لعلها تكون ارخص ثمنا”. فإذا بالطبيب ينفي امكانية ذلك بدعوى ان شقيقاي سيجدانها في منطقة الخليج اغلى مما تباع في مصر. وبدأت اتوجس خيفة من هذا الطبيب. عدت لاقول له: “لي اصدقاء واقارب يعيشون في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية، واعتقد انهم لن يترددوا في مساعدتي لشراء السماعتين من هناك بثمن ارخص. فاذا به ينفي مجددا امكانية ذلك بدعوى ان السماعات في مصر ارخص من مثيلتها في أي مكان بالعالم!.. عندئذ ادركت اني امام مندوب مبيعات فاشل ولست امام طبيب، من المفترض ان يكون صادقا ومخلصا وحريصا على مصلحة المريض الذي وضع نفسه امانة بين يديه. ابتسمت للطبيب في سخرية مريرة، وكأني وددت ان اخبره اني كشفت امره، وقلت له: “على فكرة انا صحفي مش بصمجي!”. ويبدو ان الطبيب ادرك المقصود من عبارتي، فآثر الاحتفاظ بصمته دون ان يجرؤ على رفع عينيه في عيني.

سارعت بمغادرة غرفة الطبيب محاولا جر زوجتي التي لم تنطق حرفا واحدا منذ ابلغنا الطبيب بحالة ادهم. حاولت ان اتظاهر بان الامر هين، وادفعها لقبول الموقف الذي اختاره القدر لها. لكنها انفجرت باكية وهي تقول: “الحمد لله، بس حتى السماعات هنجيب فلوسها منين؟ ده احنا لسه كنا بنحاول نفوق من مصاريف ياسمين، ومصاريف ولادة ادهم وفحوصاته الطبية، ومصاريف اخواته في المدارس!”. فقلت لها في غضب: “وانتي مالك بالحاجات دي؟ انا كنت اشتكيت لك؟ ربنا هيفرجها، مالكيش دعوة.. انا هاتصرف.. اهدي انت بس واحمدي ربنا على كل اللي يجيبه”. قلت لها ذلك وصمتت. ثم سارعنا بركوب مترو الانفاق للعودة الى المنزل. ولكنني تركتها بعد محطتين فقط، للذهاب الى الصحيفة التي اعمل بها والتي وعدت رؤسائي فيها بان اعود فور انتهائي من زيارة الطبيب برفقة ابني.
كنت اعتقد اني قادر على اخفاء همومي الشخصية بداخلي، لكن يبدو ان الامر هذه المرة كان اقوى مني. فقد فوجئت بكل من يراني من الزملاء يسألني في قلق: “فيه ايه؟! مالك؟”. فاسارع الى نحت ابتسامة على وجهي لاهدئ من روعهم قائلا: “لا مافيش حاجة انا كويس”. لكنهم يرفضون تدصيق هذه ابتسامتي الاصطناعية لانهم يعرفون ابتسامتي الحقيقية التي غالبا ما تكون مرسومة على وجهي خلال ساعات العمل: “لا.. فيه حاجة.. مالك؟!”. عندها تنبه رئيسي في العمل الى انني قد طلبت منه الاذن لساعتين لمرافقة ابني الى الطبيب، فسألني في هدوء: “الدكتور قال لك ايه على ادهم؟!”. وأجبته: “الحمد لله”. فقال: “الحمد لله على كل حاجة، يعني طمنك؟!”. فقلت له والدموع تملأ عيني محاولا السيطرة عليها ومنعها من السقوط على خدودي: “قال لي ان ادهم عنده ضعف شديد في السمع ومش هيسمع الا بسماعتين، ثمن الواحدة 2000 جنيه!”. عندها ادرك المحيطين بي حقيقة ما انا فيه. طلبوا مني الانصراف لنيل قسط من الراحة في المنزل، لكنني رفضت.
اجريت اتصالات بعدد من زملائي ممن لهم علاقة بالمجال الطبي لاستفسر منهم عما ينبغي عمله لابني. واسفرت الاتصالات عن التعرف الى طبيبة متخصصة في مجال السمعيات. بادرت الى مساعدتي دون أي مقابل، وحتى دون لقاء. وكنا نتواصل عبر الهاتف والبريد الاليكتروني. واكدت لي ان الفحوصات والاختبارات تؤكد ان ابني مصاب بضعف شديد جدا في السمع، وانه فعلا في حاجة شديدة الى سماعتين قويتين لتمكينه من السمع. وزودتني بعناوين وهواتف ما يقرب من 7 شركات تعمل في مجال السماعات الطبية. لكنها بعد ان حازت ثقتي، اخبرتها باني اريد ان اشتري لابني احدث سماعة موجودة في مصر، فوعدتني بالبحث. وفي اليوم التالي ابلغتني بشركة في حي الدقي قالت ان لديها احدث سماعة ولم يمض على وصولها الى مصر اكثر من 3 اسابيع! وكانت المشكلة في ثمنها الذي يبلغ 3500 جنيه للسماعة الواحدة، أي ان المطلوب للمساعتين هو 7000 جنيه!
الغريب اني وافقت على شراء السماعتين، دون ان يكون معي المبلغ المطلوب. وبعد عدة اتصالات تمكنت من اقتراض المبلغ من اصدقاء واقارب، وذهبت في الموعد المحدد واشتريت السماعتين.
كان الاطباء الذين اتردد عليهم حريصون على التأكيد لي ان ابني سيحتاج الى اكثر من طاقم من السماعات الطبية، وان الامر ليس بسهل. ولم ينسى بعضهم ان يعبر عن تعاطفه معي مشجعا لي، لكن احدهم بالغ في الامر حتى اتى بأثر عكسي لكلماته حين قال لي بنبرات حزينة: “معلشي.. الله يكون في عونك، الطريق لسه طويييييل، أي حتة ينفع تجيب منها سماعات هات فورا، انت محتاج كل سماعة وحتاج كل مساعدة!”. وبعد اسابيع، ومن خلال جولة على شبكة الانترنت تمكنت من معرفة ان طبيبا مصريا يعيش في الولايات المتحدة الامريكية اقنع منظمة خيرية امريكية بالتبرع بألفين سماعة تقريبا، وتوزيعها بالمجان في معهد السمع والكلام الذي يطل مقره على كورنيش النيل في حي امبابة. وعندما اخبرت احد الزملاء الصحفيين بالامر فوجئت بأنه على معرفة وطيدة بواحدة من كبار مسئولي المعهد. وتحدث اليها هاتفيا ليبلغها بحالة ابني، طالبا وضع اسمه ضمن قائمة الراغبين في الحصول على سماعتين من تلك السماعات. ذهبت الى المعهد والتقيت بالمسئولة هناك وسلمتها الاوراق اللازمة. وبعد عدة اسابيع تلقينا اتصالا هاتفيا يطالبنا بالتوجه الى المعهد لاستلام السماعات الامريكية.
كان ثمة شعور بالخجل يراودني وانا في طريقي الى المعهد، بل انني ببساطة كنت اتلفت يمنة ويسارا حتى لا يراني احد اثناء تواجدي في المعهد او خلال حصولي على السماعات الامريكية! وهناك فوجئت بزحام غريب امام المعهد جعلني اقو لان التبرعات تزيد بلا شك عن 2000 سماعة.
“صباح الخير، دي اول مرة تيجوا تاخدوا سماعات؟”.. بادرتني احدى السيدات بهذا السؤال امام المعهد. واعتقد ان الهدف منه كان التسلية واضاعة وقت الانتظار. اجبتها بالايجاب الذي شجعني اليه قول السيدة “اول مرة”، الامر الذي فهمت منه ان ثمة اناس حصلوا على هذه السماعات اكثر من مرة، وبالتالي فلا حرج ان احصل عليها انا ولو لمرة واحدة. بعد لحظات سألت زوجتي بدورها نفس السيدة: “عندك مين محتاج سماعات؟”. فأشارت الى ابنتها “فاطمة” التي يبدو ان عمرها يبلغ 7 سنوات على الاقل. فقالت لها زوجتي: “ازيك يا فاطمة؟ عاملة ايه؟”. فاذا بالفتاة تجيب بسرعة وكأي طفلة طبيعية على الاسئلة دون ان تسقط ايا من الحروف. وقد تعمدت ملاحظة ذلك لان الحقيقة التي يؤكد عليها العاملون في مجال السمعيات ان ضعيف السمع يعاني من عدم القدرة على نطق بعض الحروف بشكل صحيح، خاصة حروف الصفير كالسين والصاد، وربما الثاء. فلم امنع نفسي من الاستفسار: “ايه ده؟ فعلا فاطمة لابسة سماعة؟!”. فإذا بالسيدة تكشف الحجاب الصغير الذي ترتديه ابنتها لتريني السماعة التي ترتديها. فقلت: “ما شاء الله، ده جميل جدا.. ازاي وصلتم معاها للنتيجة دي؟!”. فقالت ان ابنتها واظبت على الذهاب الى مدرسة تتبع جمعية اهلية خيرية تسمى الجمعية المصرية للصم والبكم وضعاف السمع. وعلمت ان المدرسة تقع في ميدان المحكمة بحي مصر الجديدة الراقي في القاهرة. وأكدت السيدة ايضا انها لم تتوقف عن تلقين ابنتها دروسا على يد متخصصين في التخاطب. كان هذا اللقاء بمثابة جرعات من فيتامين الامل سرت في جميع شراييني، ووجدت نفسي في حالة مزاجية رائعة كنت قد نسيتها منذ ان علمت بحالة ابني.
وبعد ان دخلنا الى المعهد لاستلام السماعات اوقفونا هناك في طابور طويل، لاجراء الكشف الطبي على الحالات وتصنيفها وفقا لدرجة الاصابة ونوع السماعة المطلوبة. فاذا بي اشاهد سيدة بدا على ملابسها انها قروية فقيرة. كانت برفقة 3 من بناتها، وكان اللافت للنظر ان الثلاثة يرتدين سماعات طبية بالفعل، وإن كانت تبدو قديمة وبحالة سيئة. عندها تخيلت مشاعري وهمومي لو كنت مكانها، فحمدت الله على ما انا فيه.
جاء دوري وتم الكشف على ادهم على يد طبيب وطبيبة امريكيين، والبساه السماعتين، وقاما بضبطهما على الدرجة المناسبة لسمع ادهم.



أحدث التعليقات